رسالة احزان ......... الجو رائق والسماء زرقاء صافية وقرص الشمس يلتهب التهابا والارض تهتز فتنبت نباتا حسنا والارض تنحسر عن اوراقها اللامعة الخضراء والهواء الفاتر يترقرق فينبعث الى الاجسام فيترك فيها اثرا هادئا مؤثرا وكل ذلك لا قيمة له عندي ولا اثر له في نفسي فاني اشعر ان الحياة مظلمة قاتمة وان هذا الفضاء على سعته وانفراجه ضيق في عيني واشعر بصدري حرجا ضيقا كأنما يصعد في السماء. لقد ضاقت بي الارض بما رحبت ، لم تعد هذه النواميس الارضية تروق لي، لقد اصبحت انكرها وامقتها وقد وافقني بهذا الاديب الفقيه الشيخ علي الطنطاوي فقال:« لم اعد اجد في الحياة ما يغريني بها ويرغبني فيها وماذا في الحياة وكل لذة فيها مغشاة بألم، فيها الربيع الجميل ولكن فيه بذور الصيف المحرق والشتاء القاسي وفيها الحب ولكن لذة الوصال مشوبة بمخافة الهجر ، وفيها الصحة والشباب ولكنهما يحملان الهرم والمرض ، وفيها الغنى ولكني ما عرفته وما احسبني سأعرفه ابدا، لقد كرهت الحياة وزادها كراهة اليّ هؤلاء الناس فلم يفهمني احد ولم افهم احدا ، ان حزنت فاعرضت عنهم مشتعلا باحزاني قالوا: متكبر، وان غضبت للحق فنازعت فيه قالو: شرس، وان وصفت الحب الذي اشعر به كما يشعرون قالوا: فاسق ،وان قلت كلمة الدين ، قالوا : جامد، وان نطقت بمنطق العقل قالوا :زنديق ، فما العمل ؟ اليك يا رب المشتكى». وانا كذلك لم اعد اجد في الدنيا من يفهمني ومن يطابق تفكيره تفكيري ، اني احيا كالغريب بين اهلي وناسي ووطني، الى من الجأ يا رب ، ليس لي غيرك الجأ اليه فيا رب رحماك ، رحماك بهذه الأمة الفقيرة التي اضناها واثقلها الالم والاسى وطوحت بها لواعج الاحزان وقد اصبحت لا تجد ما تذود به عن نفسها ، زفرات لا يسمعها سامع وعبرات لا يرحمها راحم فشعرت كأن اسهم الدهر التي كانت تتطاير ههنا وههنا قد اصابت في هذه المرة المقتل ، وقد مر بها زمن لا يرقأ لها دمع ولا يهدأ لها مضجع عما يرى من حال الدنيا وتقلبها بأهلها. ان اجمل الساعات عندي تلك الساعة التي اخلو فيها بنفسي واناجيها بهمومي واحزاني واذرف من العبرات ما ابرد به تلك الغلة التي تعتلج في صدري. قد يقول القائل ويتساءل ما سر هذه النظرة السوداء القاتمة لهذه الدنيا وعلام هذا التشاؤم؟ فأقول : انني لطالما تبسمت وفرحت الا انه لتمر على القلب ساعات لا يستطيع ان ينكر حزنه ويكنه ويسر به وقد تتغير وتتبدل هذه الحال فأكون بين جنة من الامل تهتز اشجارها وتغني اطيارها وتشجر اغصانها وتعتنق غدرانها وهاجرة من اليأس تتلظى نارها ويعتلج أوارها وتحول بين الجفون واغتماضها والجنوب ومضاجعها والقلب يهبط به الخوف فيتمشى بين الاضالع مشية الحذر ثم يدركه الامن فيقر في متسقره قرار الماء في نهاية منحدره وحالي كحال هذه الدنيا تضطرب ما بين فرح وهمّ وسرور وحزن وقبض وبسط ومد وجزر، اذكر الله ورحمته واحسانه ورأفته وحنانه فيشرق لي من خلال ذكره وجه الحياه الناضرة وجمالها الساطع ثم اذكر الدهر وصروفه والايام وما اعدت في طياتها من عثرات في الخطوات ونكبات في الغدوات والروحات وما اخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها والقلوب وأمانيها.
| التوقيع | | [IMG][فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل][/IMG] | |